عبد الشافى محمد عبد اللطيف

312

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

المشروعات العمرانية فحسب كما حدث بعد تمام بناء بغداد ، وإنما كانت تشارك في تلك المشاريع بالخبرة الفنية ومواد البناء ، بل بالأموال ، مما يدل على حسن العلاقات والود المتبادل ، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حدث في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ( 86 - 96 ه / 705 - 715 م ) حيث عزم على تجديد المسجد النبوي في المدينة المنورة ، وبناء المسجد الأموي بدمشق ، وعندئذ طلب من إمبراطور الروم - كما يروي الطبري « 1 » - أن يعينه في ذلك ، فبعث إليه مائة ألف مثقال ذهب ، ومائة عامل ، وأربعين حملا من الفسيفساء ، فبعث الوليد كل ذلك إلى والي المدينة ، ابن عمه عمر بن عبد العزيز ، الذي أشرف على تجديد وتجميل المسجد النبوي . كذلك فعل الوليد عند بناء مسجد دمشق ، فأمده الإمبراطور بالفنيين ومواد البناء والزخرفة والأموال ، وهذه صورة مشرقة للتعاون بين الدولتين وقيمة هذا التعاون المعنوية تفوق قيمته المادية بكثير ، فاشتراك المال البيزنطي ، والعمال والخبرة الفنية البيزنطية في مشاريع عمرانية إسلامية عمل عظيم ، وعندما تكون هذه المشاريع دور عبادة ، أي مساجد ، تكون الدلالة أعظم على حسن العلاقات وما يسودها من تسامح بين أكبر دولتين في ذلك الزمان ، إحداهما إسلامية والآخرى مسيحية . * تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة : تبادل الهدايا بين رؤساء الدول في المناسبات تقليد قديم ، وقد عرفته الدولة الإسلامية منذ قيامها في عصر النبوة ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يهدي إلى الوفود التي تأتي إليه ويتقبل الهدايا من رؤساء الدول ، فقد أهدى إليه المقوقس - حاكم مصر - كثيرا من الهدايا « 2 » منها جاريتان ، هما مارية القبطية التي تسرى بها النبي ، وأنجب منها ابنه إبراهيم ، وأختها سيرين ، التي أهداها إلى شاعره حسان بن ثابت ، وكان يحث أصحابه على التهادي فيما بينهم ، ومن أقواله في ذلك : « تهادوا تحابوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت ، وتسل سخيمة القلب » ويروى أنه كان من آخر نصائحه لأصحابه قوله : « أجيزوا الوفد بمثل ما كنت أجيزهم به » يعني أعطوا الوفود التي تأتي إليكم هدايا كما كنت أفعل ، وهذا التوجيه موجه لمن يلي الأمر بعده ؛ أي : إلى

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 6 / 436 ) - والبلاذري - فتوح البلدان ( ص 21 ) . ( 2 ) السيوطي - حسن المحاضرة ( 1 / 48 ) - طبع القاهرة - سنة ( 1321 ه ) .